دعوة للتنصير عبر البريد الإلكتروني! - حسين أبو السباع
بواسطة: admin بتاريخ : الجمعة 19-12-1428 هـ 08:48 مساء
لا تزال الآلة الإعلامية تعمل بأقصى طاقاتها في كل الاتجاهات التي تخدم مصالح أصحابها، وأصحابها بالطبع هم (الآخر) الذي نُطالَب كل يوم بل وكل لحظة بقبوله، والتعامل معه، هذا (الآخر) هو الذي كان في الماضي يظهر الوجه الباسم ويخفي الوجه الحقيقي المتجهم
الذي لا يريدنا أن نراه، ثم تطورت التقنية والفضائيات فأخذت القنوات الفضائية تعلن توجهات سياسية أو دينية أو ثقافية كلها تصب في بوتقة واحدة ألا وهي خدمة مصالح (الآخر) الذي يفرض أيديولوجيته بقوة إعلامه، والعجيب أن قنوات التعري تسهم بقصد أو من دون في محو هويتنا العربية الإسلامية، ثم تجاوزنا مرحلة التعري بخطورتها ودخلنا منطقة أخرى من القنوات الفضائية التي تدعو للتنصير والتي أنشئ منها فقط خلال 2005 و2006 خمس قنوات تنصيرية وشن هجوم شرس ضد الإسلام، وإظهار وجه مغاير للحقيقة على المستويات جميعها.
آخر ما ورد إلى بريدي الإلكتروني رسالة مُذيلة بتوقيع من (الجمعية الوطنية القبطية الأمريكية) بها دعوة صريحة للتنصير، واستعمال مفردات واستشهاد بعدد من الأناجيل والآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي فسروها خطأ لاستغلال ضعاف الثقافة الدينية للنيل منهم بادعاء أكاذيب لم تجد من يردها حتى الآن.
الرسالة الإلكترونية كانت استدراجية بدأت بسؤال عن السيد المسيح وكيفية الوصول إلى الحقيقة للنجاة، ثم تعرج الرسالة بالدخول في أماكن شديدة الحساسية والتي تحتاج إلى شرح مطول في القرآن الكريم أو الحديث الشريف، وتمادت إلى العيب في الذات الإلهية والمساس بالقرآن الكريم، ثم ختمت الرسالة بعنوان بريد إلكتروني وموقع للقُمّص زكريا دانيال بطرس المُعادي الأكبر للدين الإسلامي وللرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والذي يظهر على قناة الحياة الفضائية ليعلن عداءه الصريح لكل ما ورد في القرآن الكريم بأسلوب مستفز، معلناً عن الوجه (الآخر) الذي كان أولئك يخفونه في الماضي خوفاً من ردة الفعل الإسلامية.
أما الآن فلأنه لا توجد ردود أفعال صريحة لما تتم حياكته فضائياً وإعلامياً، فأصبحت رسالتهم علانية لا يخافون شيئاً ولا غضبة الرد الذي يوضح افتراءاتهم. المقصود بالرد هو الحجة بالحجة، (وجادلهم بالتي هي أحسن).
حقيقة؛ كنت أتمنى أن ترد إلى بريدي الإلكتروني دعوة لاعتناق الإسلام، وكنت أتمنى أن يتم إرسال هذه الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من المسلمين والمسيحيين على السواء وحتى اليهود في جميع أنحاء العالم، رسالة إلكترونية من جهات إسلامية داعمة للدعوة الإسلامية بخطاب إسلامي معصرن قادر على مواجهة مثل هذه التحديات.
كنت أتمنى أن ترد إلي عناوين لمواقع إسلامية خالصة بدلاً من عناء البحث عن المعلومة الموثوقة المحققة.
والمؤسف أننا تركنا مثل هذه القضية شديدة الحساسية والخطورة ولا نزال نتحدث عن فتاوى صدرت عن علماء مسلمين خطأناهم من دون سند ديني معتبر، حتى وإن تراجع هذا العالم عن فتواه نظل نحن ندعي أنه لا يزال على خطأ ويتم سب شخصه والبعد عن الفتوى وعن التراجع ليحل محله الإصرار على السباب واجتراح لغة شتائمية ضد هذا العالم الذي لا يملك أدوات محاججته إلا عالم مثله، وليس لعامة الناس الحق في محاججته.
وليس معنى هذا أنني أدعو إلى تقديس الأشخاص، فكل شخص يؤخذ منه ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نحن لا نزال في غفلة وادعاء أفضلية الماضوية على (الآخر) من دون سبب صريح، من دون عمل بعلم لرد مثل هذه الهجمات الشرسة التي تدعو إلى التنصير، أو التهويد، باعتبار أن الإسلام والمسلمين (إرهابيون) كما يروج الإعلام العالمي.
عمليات التنصير مستمرة من دون هوادة بالإغراء بالمال أو بالمفاهيم المغلوطة لدى البعض وباستغلال القوانين التي عمل هذا (الآخر) على قلب معناها على الحقيقة مثل تلك التي تكفل للإنسان حرية العبادة، لكنها لا تصرح له بالتنصير أو التهويد وما إلى ذلك.
لا توجد قناة فضائية إسلامية بدأت مع المسلم العادي (غير المثقف دينياً) ببث محاضرات تفهمه حقيقة دينه السمح، من دون خطابة ولا وعظ، وإنما الذي يتم هو استحضار بعض العلماء الذين يوافقون على قضية على قناة ما، وعلى القناة الأخرى البعض الآخر يرفض القضية ذاتها، فيحتار العامة، ويستغل (الآخر) هذه السماحة في الإسلام، وهذه البلبلة لدى العامة، ليعلن ويقول إن الإسلام دين متناقض، والكثير من العامة ينساق إلى هذا النفق الضيق المظلم من الفهم.
كما لا توجد روافد دينية ميسرة لاكتساب مفاهيم الدين الإسلامي بالشرح المبسط بعيداً عن الفنانات التائبات بعد العري إلى الحجاب ثم التجرؤ على كتاب الله بالشرح والتفسير الخاطئ أيضاً.
الثقافة الأكثر شيوعاً الآن تكتسب عن طريق الكمبيوتر والإنترنت، فلابد من مواكبة هذه الحقيقة التي نتجاهلها فنصرّ على التلقين والحفظ، والكتابة بأسلوب بلاغي تراثي قديم قِدم عبدالقاهر الجرجاني صاحب أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، فلكل عصر جيله؛ ولكل جيل لغته التي يفهمها، ولا بد من الوصول إلى لغة هذا الجيل المعاصر لكي يفهم ويعرف ما المفروض أن يعرفه ويفهمه ليكوّن قاعدة بيانات سليمة عن دينه وثقافته وهويته من دون تعصب أو مصادرة أو رفض ل(الآخر)، حتى وإن رفضنا هذا (الآخر) نعمل على تحسين صورتنا كما أمرنا الإسلام.
المواقع الإلكترونية والفضائيات التي من المفترض أنها الأسرع في البث والتلقي لا تقدم ما يشبع ويقوي عقيدة المسلم، بل تقدم البرامج المعتاد تقديمها والموضوعات ذاتها التي تُنَاقَش منذ عشرات السنين والتي تصيب بالملل.
الولايات المتحدة الأمريكية رغم الفظاعات التي ترتكبها يومياً في العراق وغيره؛ إلا أنها رصدت جزءاً ضخماً من ميزانيتها لتحسين صورتها على مستوى العالم، أما نحن فأعتقد أننا صرنا كإسفنجة نمتص -فقط- من (الآخر) ما يريد أن يصدره إلينا حتى صرنا عاجزين عن تصدير ثقافتنا وهويتنا، أو حتى تحسين الصورة التي رسمها الإعلام العالمي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما بعدها وحتى من قبلها أيضاً.
الدعوة للتنصير قائمة وعمليات تزييف التاريخ أيضاً قائمة وإطلاق مسميات على غير (الماصدق) لها أيضاً قائمة، ويتم بث رسائل إلكترونية كثيرة جداً، مثل رسائل النصب الإلكتروني التي ترد العشرات منها يومياً إلى كل صاحب بريد إلكتروني، فهل حان الوقت لكي نصاب بالتغيير الحقيقي القائم على العلم المعملي أم سنصر على التخندق تاركين ما يدور حولنا يدور، أم فات الأوان؟